صابر أبو سليمان
16
اضواء البيان في تاريخ القرآن
بل كانت مواد إعجازه كامنة في أطوائه ، وكلما تقدم المنكرون الجاحدون في العلم المادي انكشف من وجوه إعجازه وجه يقمع ضلالات الكفر ، ويهدي إليه الألوف المؤلفة في كل عصر . وهو ما نشهده الآن وقبل الآن ، وما تشهده الأجيال بعد الآن بإذن اللّه . وقد أشار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلى هذا المعنى في حديث أخرجه البخاري عنه قال : « ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » « 1 » . قالوا في معناه : إن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ، فلم يشاهدها إلا من حضرها ، ومعجزة القرآن باقية إلى يوم القيامة ، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات ثابت ، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر أنه سيكون ، ليدل على صحة دعواه . والمعجزات كانت حسية تشاهد بالأبصار ، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه فيها أكثر ، فما يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهديه ، وما يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا ومن هنا كان اشتمالا لقرآن للبيان والإعجاز معا في وقت واحد دليلا على صدقه وعالمية رسالته « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ج 9 ص 5 فتح الباري / أخرجه مسلم ج 2 ص 34 النووي . ( 2 ) نفس المصدر السابق ص 238 .